محمد حسين هيكل

235

حياة محمد ( ص )

بعثت قريش رسولا لم يسمع إلا ما سمع من قبله ، ولم يغامر بأن يتّهم عند قريش . وكانت قريش تعتمد فما أعدّت من قتال محمد على حلفائها من الأحابيش « 1 » ، ففكرت أن توفد سيدهم لعله إذا رأى أن محمدا لا يسمع له ولا يتفاهم وإياهم ، ازداد لقريش نصرة فزادهم على محمد قوة . وخرج الحليس سيد الأحابيش قاصدا معسكر المسلمين . فلمّا رآه النبيّ مقبلا أمر بالهدي أن تطلق أمامه ، لتكون تحت نظره دليلا ماديّا على أن هؤلاء الذين تريد قريش حربهم إنما جاؤوا حاجبين معظمين البيت ، ورأى الحليس الهدي سبعين بدنة تسيل عليه من عرض الوادي قد تأكلت أوبارها ؛ فتأثر لهذا المنظر وثارت في نفسه ثائرات دينية ، وأيقن أن قريشا ظالمة هؤلاء الذين لا يريدون حربا ولا عدوانا . فانقلب إلى قريش دون أن يلقى محمدا وذكر لهم ما رأى . فلمّا سمعوا حديثه غاظهم وقالوا له : اجلس ، فإنما أنت أعرابيّ لا علم لك . وغضب الحليس لمقالتهم وأنذرهم أنه ما حالفهم ليصدّ عن البيت من جاء معظما إيّاه . وأنهم إن يخلّوا بين محمد وما جاء به نفرّ بالأحابيش من مكة . وخشيت قريش عاقبة غضبه ، فاسترضوه وطلبوا إليه أن ينظرهم حتى يفكروا في أمرهم . سفارة عروة بن مسعود ثم رأوا أن يوفدوا حكيما يطمئنون إلى حكمته ، فتحدّثوا في ذلك إلى عروة بن مسعود الثقفيّ . فاعتذر لهم بما رأى من تعنيفهم وسوء مقابلتهم لمن سبقه من رسلهم . فلمّا اعتذروا له وأكدوا أنه عندهم غير متهم وأنهم يطمئنون إلى حكمته وحسن رأيه ، خرج إلى محمد وذكر له أن مكة بيضته ، وأنه إن يفضضها على أهله المقيمين بها بمن جمع من أوشاب الناس ثم انصرف هؤلاء الأوشاب عنه ، كان العار الخالد لقريش عارا لا يرضاه محمد وإن اتّصلت الحرب بينه وبين قريش ما اتّصلت . فصاح أبو بكر بعروة منكرا أن ينصرف الناس عن رسول اللّه . وكان عروة يتناول لحية محمد وهو يكلمه ، وكان المغيرة بن شعبة واقفا على رأس الرسول يضرب يد عروة كلما تناول لحية محمد ، مع علمه عروة هو الذي دفع عنه قبل إسلامه ثلاث عشرة دية عن قتلى كان المغيرة قتلهم . ورجع عروة بعد أن سمع من محمد مثل ما سمع الذين سبقوه من أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء معظما البيت مؤدّيا فرض ربه . فلما كان عند قريش قال لهم : « يا معشر قريش ، إني جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشيّ في ملكه ، وإني واللّه ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه . لا يتوضّأ إلا ابتدروا وضوءه ، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه ، وأنهم لن يسلموه لشيء أبدا ، فروا رأيكم » . سفارة محمد إلى قريش وطالت المحادثات على النحو الذي قدّمنا . ففكر محمد في أن يرسل قريش ربما لم يكن لديهم من الإقدام ما يقنعون به قريشا بالرأي الذي يرى ، فبعث من جانبه رسولا يبلغهم رأيه . لكنهم عقروا جمل هذا الرسول ، وأرادوا قتله لولا أن منعته الأحابيش فخلّوا سبيله . وقد دلّ أهل مكة بتصرّفهم هذا على ما يسودهم من روح الخصومة والبغضاء مما قلق له صبر المسلمين ، حتى لقد فكر بعضهم في القتال . وفيما هم كذلك يتبادلون الرسل يحاولون أن يصلوا إلى اتفاق ، كان بعض السفهاء من قريش يخرجون ليلا يرمون عسكر النبيّ بالحجارة ؛ حتى خرج منهم أربعون أو خمسون رجلا يوما ليصيبوا من أصحاب النبي ، فأخذوا أخذا وجئ بهم إليه . أفتدري ماذا صنع ؟ عفا عنهم وخلّى سبيلهم تشبثا منه بخطّة السلم واحتراما للشهر الحرام أن يسفك فيه

--> ( 1 ) الأحابيش : أحياء من القارة ( قوم من العرب رماة ) سموا بذلك لاسودادهم ، أو لتجمعهم أو نسبة إلى حبشي ( بضم الحاء وسكون الباء ) جبل بأسفل مكة .